بعض ما كتب عن محجوب شريف
محجوب شريف… الوطن حين يتجسّد إنسانًا
كان محجوب شريف حالةً استثنائية، لا يُختصر في كونه شاعرًا فحسب، بل كان موجةً من العواطف الجيّاشة، وحالةً من الوجد الصوفي العميق. استطاع أن يجعل من القصيدة فعلًا نضاليًا، ومن الكلمة موقفًا أخلاقيًا ملتزمًا، قادرًا على نقل الواقع المعاش بصدق وشفافية.
لم يكن يميل خارج خارطة الوطن، بل كانت بوصلته دائمًا تشير إلى الحقيقة؛ عيناه في اتجاهها، ولسانه ينطق بها دون مواربة أو التواء. كانت لغته تعبيرًا مباشرًا عن معاناة الناس وآمالهم، ولذلك لم يكن غريبًا أن يلتف حوله النقاد والكتّاب، على اختلاف مشاربهم، مجمعين على فرادته.
كان يعرف قدره، صغيرًا كان أو كبيرًا، وقد عبّر عنه الجميع بإجلالٍ نادر. ومن عرف محجوب، فقد عرف الوطن، ومن عرف الوطن، فقد عرف محجوب، كأخلص أبنائه وأكثرهم التصاقًا بترابه وهمومه.
أتحدث عنه اليوم لا كشاعر فحسب، بل كإنسانٍ صادق عرفته في سنوات الشباب الأولى. كانت معرفتي به عبر صديقي أنور حسن، وكنا حينها نسكن في ما عُرف بـ”بيت النمل” بنسختيه الاثنين في حي الضباط والموردة. لم يكن ذلك المنزل مجرد سكن، بل كان خليةً نابضة بالحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية.
كانت فكرة “بيت النمل” تعود إلى فرانسوا عزيز، الذي جاء من سنار للدراسة بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم، وكان في الوقت ذاته يعمل. ضمّ البيت كوكبة من الشباب، منهم المهندس عادل أحمد طه، وأخوه أزهري أحمد طه، وأنور حسن، وأخوه عباس حسن، وعبد الرحمن كرز،عادل امير، وشخصي. وكان يتردد عليه باستمرار عدد كبير من الأدباء والفنانين والمثقفين، منهم سامي سالم، وعبد المنعم رحمة الله، ومحمد عبد الخالق، ومحمد محيي الدين، والمدني، ومحمد علي، ومحمد عثمان، وأبو ذر الغفاري، وعمر الطيب الدوش، وغيرهم كثيرون. ومن كثرة الداخلين والخارجين، استحق المكان بجدارة اسم “بيت النمل”.
كانت من أبرز نشاطاتنا مناقشة الكتب السياسية والروايات،كم استمتعنا بمناقشة كتب صنع الله ابراهيم وعبد الرحمن منيف وجبرا اراهيم جبرا،وفنتازيا المكان وجدلية الزمن عند جابريا غارسيا ماركيز . أما الإلقاء الشعري، فكان له طعمه الخاص، خاصة حين يلقي الشاعر نصه لأول مرة، مترقبًا صدى كلماته في وجدان الحاضرين. ولا تزال عالقة بذهني أول مرة ألقى فيها قدال قصيدته “اليانكي”، وما أعقبها من نقاشات نقدية عميقة.
كانت جلسات العصر غالبًا ما تتحول إلى حلقات نقدية ثرّة. أذكر منها نقاشًا مطولًا قاده أسامة الخواض حول البنيوية، تداخل فيه سامي سالم، وتخللته ملاحظات نقدية حادة من محمد عثمان. كما لا أنسى تلك الجلسة التي خُصصت لشعر الدوش والتجاني سعيد، حيث امتزج الإلقاء العفوي بالحكايات، فكان الشعر حيًا نابضًا لا مجرد كلمات.
ومن اللحظات الجميلة كذلك، استماعنا إلى إلقاء ريتا وعبد المنعم رحمة الله، والإبداع اللافت لـإلياس فتح الرحمن. وبحكم كثافة النشاط الثقافي، أتذكر يومًا كنت فيه مسؤولًا عن أحد البرامج، فدعوت صديقي خليل عكاشة بمعداته السينمائية، فشاهدنا فيلم “قرية من الجنوب”، واستمتعنا بأغاني مارسيل خليفة، خاصة “أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي”، كما عرضنا أفلامًا سودانية مثل “الجمل” لشداد، ودار حولها نقاش ثري.
في هذا المناخ الثقافي الفريد، كانت معرفتي بـمحجوب شريف، وأنا لم أبلغ العشرين بعد، أتحسس طريقي نحو الوعي. كان حضوره لافتًا منذ اللحظة الأولى: بساطة آسرة، طيبة صادقة، قدرة عجيبة على التغلغل في دواخل الآخرين، واحترام عميق للناس، مع تواضع نادر.
لم يكن حضوره صاخبًا، لكنه كان عميق الأثر؛ كان ينصت أكثر مما يتحدث، وحين يتحدث، تشعر أن كلماته خرجت من تجربة حقيقية.
ولا أنسى ذلك اليوم الذي طلبنا منه المشاركة في احتفالية بمدرسة إبراهيم صوميت ضمن نشاط فرعية الموردة. حضر مبكرًا، ولم يكتفِ بالمشاركة الأدبية، بل انخرط معنا في التنظيم، يرصّ الكراسي، ويُعدّ المياه. كنا يومها صغارًا، لكنه منحنا درسًا عظيمًا، لا في التواضع فحسب، بل في معنى الفعل الإنساني نفسه.
كان محجوب شريف، في جوهره، إنسانًا قبل أن يكون شاعرًا، وقيمةً أخلاقية قبل أن يكون صوتًا شعريًا. لقد كان نموذجًا للمثقف العضوي، الذي لا يكتفي بالتعبير عن الناس، بل يعيش بينهم، ويجسد قضاياهم في سلوكه قبل كلماته.
ولذلك بقي، وسيبقى، شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الكلمة موقفًا، وكان الإنسان هو المعيار.
بروفيسور أبشر حسين
يلّا يا أطفال نغنّي
طلال دفع الله
* * * * * * * * *
يلا يا أطفال نغنّي
للفقد عمراً عِريِّض
كسلا بورسودان وكوبر
في دبك شالا اللِّبِّيض
كلو شان باكرنا يصدح
بى شموس العز وِمَيِّض
هيلا يلّا نغني ليهو
لوحه من شعرو النِّجيِّيض:
(حنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي
وطن شامخ، و طن عاتي
وطن خيِّر ديمقراطي.
وطن بالفيهو نتساوى
نحلم، نقرا نتّداوى
مساكن كهربا و مويه
تحتنا الظلمه تتهاوى).
يلا نحلم بى وراهو
بى عيونو و بى رؤاهو
الحلم واضح معالم
بى وطن آمن مسالم.
(مكان الطلقه عصفوره
تحلق حول نافوره
و تمازح شفع الروضه)
برضو من نَشدو الرِّويِّض
نظره في أحلامو نقرا
وطن واقع نَشيِّد
نظره في أحلامو نقرا
وطن واقع نشيد
رؤيا رؤيا و فكره فكره
كان بغنينا النِّشيِّد:
(وطنك والدينك و دَينك
كلو قطرة دم من دمك
و كلو نقطة ضو في عينك
في النَّفَس الطالع و نازل
تلقاهو محل ماتقبِّل
و محل ما تمد إيدينك).
المعلم زاد علمنا
شان نقوم الهمه واجبه
في قرايتنا و عَملنا
لو تعبنا الليله .. باكر
لينا يتحقق أملنا..
و نبني سودانا الجِّديِّد.
بى بسيمتو و ضي كِليمتو
ياما ذكّرنا و شملنا
الوطن ضاعت نِسيمتو
لما بالحرب إنشغلنا،
لو نعيش أحباب حِكيمتو
عِزه حيرفرف عَلمنا
و ياما يتصافن نفوسنا
يوم يقود راينا السِّديِّد ،
خطوه خطوه نلاقي مِيسنا
كم قريب يبقى البِعيِّد ،
و الوطن في عيونّا ديمه
بالفرح ناشِد مِعيِّد.
نحيا بالنيه السليمه
فيهو عالمنا الوِحيِّد.
الوطن حبة عيونو
حبَّ ناسو و خلّى ذاتو
البغني رهين سجونو
أغنياتو و تبتباتو
التَّمني رحيق لحونو
أمو و رفيقتو،
صَحْبو رِفقاتو و بناتو
شاي صباحو و اُمسياتو
البغني رهين سجونو
الغنا الصاح الوِديد:
(اسمعنا يا ليل السجون
نحنا بنحب شاي الصباح
و المغربيه مع الولاد
الزوجه و الأم الحنون
و الأصدقاء
و إلى اللقاء).
الكميل كامل الكمايل
الوطن حبة عيونو
(حبابك يا ضَحى الميلاد
و يا وطناً بدون اسياد
و يا إنشاد عصافيراً
بِبالِن ما خطر صياد).
شوفوا ما أحلى الوِعَيِّد
(كم من حقلِ كامن في حِفنة بذور)
لما تبقى الفكره دهشه
و الحِلِم واقع مِدَيِّد !!
الكميل كامل الكمايل
الوطن موية عيونو
العديل فارس العمايل
حادي شعبو الما بخونو
النبيل حلو الشمايل
و العديل عدلاً فِريِّد..
لما تتمناك تكونو.
لو رجع للحق عدوهو
بيبقى حِبو الما بِقيِّد
قلبو عامر بالمحبه..
و بالسلام كونو المِديِّد.
إلا في ةساعة الشدايد
قلَّ زي متلو النِّديِّد.
(2006م)
…… …… …… ……
(إضافه ابريل 2014م):
الغنّى لحظاتو المغادِر
وطنو شعبو و الله قادر:
لى كل الشعب السوداني
القاصي هناك، و الدّاني
شكراً للأرض الجابتني
و الدرب الليكم ودّاني
إنت الأول، و ما بِتحوّل
و تب ما عندي كلام بِتأوَّل
إنت الأول،
إنت الأول، و كل العالم بعدك تاني.
كلمات وكلمات
صلاح الباشا
***
في الذكري ١٢ لرحيل شاعر الشعب محجوب شريف:
هاهي السنوات تمر سريعا ونحن نسترجع ذكري وفاة حبيب الشعب ورفيق النضال منذ زمان بابكر والذي فارق الدنيا في ٢ ابريل ٢٠١٤م بام درمان حيث كنا وقتها نعمل خارج البلاد( للمرة الخامسة) وقد عشنا رحيل محجوب بكل تفاصيله حتي مثواه الاخير بمقابر احمد شرفي.
وهنا استعيد ما كتبناه من ذكرياتنا الطريقة معه بتفاصيل نوعية تعكس جزء يسيرا من حياة فقيدنا والذي بدأت علاقتي معه منذ العام ١٩٧٠م با مدرمان.
ولذلك فإنني اكتفي بما سردناه عند رحيله عن الدنيا من طرائف ومواقف معه ومع رفيق دربه امبراطور الغناء الافريقي محمد وردي عليهما الرحمة.
كتبنا وقتذاك :
ذكريات ومواقف وطرائف مع محجوب شريف
• ذات مرة ونحن وقتذاك نعمل بالدوحة ، والامبراطور الراحل وردي بيننا في رحلة زراعة الكلي الشهيرة في اكتوبر 2002م تحديداً ، طلب مني الاستاذ محمد وردي عليه الرحمة ان نحاول إستخراج تأشيرة زيارة لمحجوب شريف لقضاء شهر كامل معه بالدوحة بعد الإنتهاء من زراعة الكلية .. فقلت له ممكن جدا ولكنني اعاني دوما من حكاية الخدمة المقطوعة من تلفون بيت محجوب شريف ، ضحك وردي ضحكة مجلجلة قبل ان يعلق قائلا:
تعرف ياباشا عادي جدا يكون تلفون المنزل مقطوعا بسبب الفاتورة ، وقد تعودنا حين نطلب محجوب ان نسعي اولا لسداد فاتورة هاتفه حتي نتمكن من مهاتفته ، وبالتالي سنقوم من هنا بإنجاز المهمة ونسدد الفاتورة لتتصل به كي يرسل صورة الجواز حتي تشرع في استخراج التأشيرة من الجوازات القطرية ، ثم ذكر وردي جملة توقفت عندها كثيرا حين قال:
ان زهد محجوب شريف هذا لايوجد له مثيل إلا في عهد الصحابة ، وبالتالي مثل محجوب لن يعمر كثيرا لأن مثل هؤلاء البشر ماتوا زمان لأنهم أخيارنا جميعا .
• أتي محجوب الي الدوحة تصحبه كريمته الصغري ( مي ) والتي اقترح صديقنا نور الهدي مؤسس وناشر ومالك دار عزة للنشر أن نرفق في تاشيرة شريف كريمته مي وقد كان ، وقد ادهش محجوب السودانيين بلياليه الشعرية التي اقمناها له بالدوحة حيث شاركت ( مي) بتقديم العديد من الاناشيد التي كتبها لها والدها الأستاذ .
• قلت لمحجوب لقد شاهدناك في التلفزيون ذات مرة وأنت تلقي الشعر في احتفالات نادي الهلال ، فهل انت هلالابي او لك إنتماء رياضي ؟ ضحك محجوب شريف ضحكة مميزة ثم قال بأنه لا يفقه شيء في الكورة ولا يتابعها ، لكن الاخوة في نادي الهلال طلبوا مشاركته في الحفل ، وبسبب جهله بالكرة وبشعارات الاندية فإنه قد إرتدي قميصا احمر اللون من باب ( القشرة ) وذهب للمشاركة ، حيث اشار له البعض بأنه قد ( دقس ) لأنه يشارك الهلال ليلته لكنه يرتدي الاحمر شعار المريخ بسبب ان شعار الهلال هو الازرق ، فإعتذر للجمهور عند صعوده للمسرح بسبب ارتدائه القميص الاحمر فضحك الجمهور ، واحسنوا إستقبال قصائده الوطنية الخالدة .
• ذكر الصديق الاستاذ والشاعر الفلسفي المعروف التجاني سعيد وهو صديق مقرب جدا من شريف ، بأنه ذات مرة ذهبا لدعوة عشاء عند الاستاذ محمد وردي في منزله المستأجر بالعمارات الخرطوم قبل استقراره لاحقا في بيته الخاص بالكلاكلة صنقعت وكان ذلك في الاشهر الاولي لحكم النميري ، حيث كان التجاني قد سبق ان تغني له وردي بتلك الخالدة ( من غير ميعاد ) مذ كان التجاني طالبا بالثانوية في دنقلا في العام 1968م . وسبب دعوة وردي لهما هو ان يسمعها النشيد الجديد الذي سبق ان كتبه محجوب شريف بعد ان تغني له وردي بنشيد ( حارسنا وفارسنا ) في العام 1969 مع بداية ثورة مايو ، والنشيد الجديد هو ( أنت يا مايو الخلاص ) … فقال شريف للتجاني ممازحا: دلوقتي بي كده يكون وردي قد غني لي أثنين وإنت واحدة بس ما زدتها ، وعند العودة الي ام درمان الثورة بعد تناولهما العشاء ، طلب محمد وردي من ضيف آخر لم يفصح عن إسمه أن يوصل الأستاذين محجوب والتجاني الي المحطة الوسطي بأم درمان ، وكان هذا الضيف يقود سيارة فلكسواجن ، وعند نزولهما في الوسطي ام درمان ، شكراه ، غير ان محجوب شريف سأل الرجل : إسم الكريم منو يا خونا ؟ فرد عليه انا ( محمد ابراهيم نقد ) وتحرك مسرعا حيث وقف محجوب شريف مندهشا لفترة عند سماعه للإجابة ، ذلك انه لم يكن يعرف وجه القيادات السياسية التي انتمي لها لاحقاً .
• حكي لنا شريف ذات مرة بأنه كان بسبب اشعاره يواجه مضايقات امنية قاسية في سنوات السبعينات في زمن حكم الرئيس الراحل جعفر نميري بسبب اناشيده التي لا تتوقف وذلك بسرعة انتقالها بسرعة بين ايادي طلاب الجامعات والمعاهد العليا والثانويات في ذلك الزمان الذي لم تكن فيه الوسائط الاعلامية متوفرة في السودان . ومن تلك المضايقات التي نتجت عنها اغنية محددة تغني بها وردي في ذلك الزمان ، هي ان محجوب شريف الذي تزوج من السيدة اميرة الجزولي والدة كريماته مريم ومي ، وهي شقيقة الاستاذ الجليل والمحامي المعروف صديقنا كمال الجزولي وصديقنا الكاتب الموثق حسن الجزولي ، وقد اقيم حفل الزفاف بدار المعلمين الذي كان يقبع في مواجهة رئاسة شرطة المرور بشارع الجامعة في موقع المرور الحالي ، وقد كان حفل الزواج في العام ١٩٧٧م عبارة عن استفتاء لشعبية الرجل ، وذهب في رحلة الزواج بالقطار الي بورتسودان ، وعند العودة وما أن استرخي في منزله ، إلا أن يأتيه زوار الليل من رجال جهاز الامن ليأخذونه معتقلا ومخفورا بقطار اليوم التالي الي سجن بورتسودان تارة اخري ، وهناك كتب تلك الرئعة ، نعم كتبها لعروسته وغرد بها وردي بلحن خفيف جدا ، ذلك ان وردي يعرف مقاصد مفردات اشعار صديق عمره محجوب شريف التي لا تفرق بين العمل الوطني والاغنية العاطفية ، حيث قال فيها :
معاكي .. معاني حياتي بتبدأ
وافتح باباً ياما إنسدا
واشوف العالم ربوة جميلة
عليها نسيم الصبح مخدة
وبيني وبين النهر عشانك
عـُشرة بتبدأ
وبين عيني .. خد الوردة بتبقي مخدة
اصالح روحي … وتبري جروحي
اهلل باسمك … اهلل اغني
واقيف .. وأتحدا
بحبك …. انا مجنونك
ساكن فيني هواك وبريدك
جوه القلب …النبض بصونك
**
• من الطرائف التي يحكيها محجوب الشريف بعد خروجه من المعتقل إثر فشل حركة الرائد هاشم العطا في يوليو 1971م وعودة نميري تارة اخري بتلك الهجمة الشرسة جدا علي قوي اليسار من كافة الفئات ، حتي الطلاب ، تم بالطبع فصل محجوب من العمل كمعلم ، فإفتتح الرجل دكان في الثورة ، وبدأ الزبائن يفدون الي متجره ليبتاعوا منه ، برغم ان معظم البيع كان ( بالجرورة ) فقد أدخل محجوب حرفة بيع الفول في الدكان كشأن معظم البقالات ، غير ان رجال الامن ظلوا يترصدونه بأن يأتوا في الليل البهيم ليأخذوا قدرة الفول بكاملها حين تترك خارج الدكان لزيادة إشتعال الفحم في الكانون حتي الصباح ليصبح الفول مستوياً … يحكيها محجوب وهو يضحك لطرافة المعاكسات السياسية وسذاجتها وقتذاك … فصبر محجوب علي الاذي طويلا ، وفي نهاية الامر ذهبت حقبة مايو ورجالات مايو بسرعة البرق وبقي محجوب واشعار محجوب تسكن داخل وجدان اهل السودان.
• كعادة محجوب فإنه كان لا يرغب في حضور بروفات اعماله الشعرية الغنائية بدار اتحاد الفنانين حيث يفضل الاستماع لها كباقي الجمهور من خلال الاجهزة . حتي المسرح فإنه لا يرغب لسماع اغنياته منه .
• ولكن ذات مرة وقد كنا وقتها في النصف الاول من السبعينات نعمل بمهنة التدريس بمدارس ام درمان ونواصل دراستنا الجامعية مساء بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ، وكان محجوب شريف وقتها قد تم فصله من مهنة التدريس التي امتهنها منذ تخرجه من معهد التربية ( سنتين بعد اكمال المتوسطة ) التي درسها بمدرسة المدينة عرب بالجزيرة غرب ودمدني ، فإنه قد دعاني ومعي زميل الطرفين الاستاذ المربي الراحل سليمان هباش لكي نذهب معه الي دار اتحاد الفنانين بامدرمان بموقع الدار السابق الذي كان يجاور المسرح القومي وهو عبارة عن بيت من بيوت وزارة التربية الظليلة الاشجار وتجاور ايضا سكن الاستاذ عبدالمجيد طلسم وكيل وزارة التربية الاسبق وهو والد البلابل . وسبب دعوة شريف لنا هو ان وردي قد طلب منه الحضور بالنادي للاستماع للبروفة النهائية لأغنيته التي كتبها لوردي كأول عمل غنائي عاطفي بعد سلسلة الاناشيد الوطنية ، وقد كانت الأغنية هي ( جميلة ومستحيلة ) التي ظهرت للوجود في العام 1974م ولكن وردي اخفاها حتي العام ١٩٧٦م لان وردي كان يريد ان يعطي الفرصة لاغنيته الاسبق (بناديها) لتنتشر اكثر والتي كتبها الشاعر والمؤلف الدرامي عمر الطيب الدوش تحديداً وقد احدثت ضجة ضخمة جدا بسبب ان مفرداتها كانت فعلا ذات لغة جديدة ، ثم اطلق وردي سراح ( جميلة ومستحيلة) وقد اضفي لها لحن وردي وموسيقاه بهاء فوق بهاء المعاني.
يا جميلة ومستحيلة
إنت دايما زي سحابة
الريح تعجل بي رحيلها
اسمحيلا تشوف عيونك اسمحيلا
انا لا الصبر قادر عليا ولا عندي حيلة
• كنا في يوليو من العام 1970م قد اتينا من مدينة الاحلام ( ودمدني ) الي الخرطوم لنلتحق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم التي فتحت ابوابها لطلاب الشهادة السودانية بتخصيصها لعدد الف منحة بتوجيهات من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر لمدير الجامعة وقتها الراحل الاستاذ الدكتور محمد طلبة عويضة عالم الرياضيات المعروف والذي تم اختياره فيما بعد لتأسيس جامعة الزقازيق والتي فتح فيها فرصا متسعة للطلاب السودانيين في ذلك الزمان من حقبة السبعينات ، وحين التحقنا بمهنة التدريس صباحا ، فقد عرفني بعض الزملاء علي الراحل الاستاذ محجوب شريف ، وقد كان منهمكا بتكوين جسم سياسي داخل اوساط المعلمين يسمي ( رابطة المعلمين الاشتراكيين ) فإنضممنا معه في تلك الرابطة حيث كانت شعارات الاشتراكية والقومية متمددة بقوة وجاذبة جدا للشباب في ذلك الزمان ، ومنذ ذلك الوقت ظلت علاقتي ممتدة مع محجوب حتي رحيله في الثاني من ابريل ٢٠١٤م ، واذكر ان محجوب لم يكن يتحدث كثيرا في الشان السياسي ، بل كانت اهتمامته تلمس احتياجات الناس العاديين البسطاء ، ويترجم تلك الآمال والمعاني والرغبات الي شعر دارجي جميل ، يشبه كثيرا المدارس الشعرية التي تتحدث عن معاناة الجماهير ، وقد رأيناها متمثلة في الشعراء الراحلين : أحمد فؤاد نجم ، أمل دنقل ، صنع الله ابراهيم ، الابنودي والعراقي بدر شاكر السياب وغيرهم كثر .
• كان محجوب شريف وقبل داء الرئة الذي اقعده عن الحركة الواسعة لعدة سنوات ماضية يحب جدا عمل الخير الميداني والتطبيقي ، حيث اسس في احياء حارات الثورات البعيدة مؤسسة أو منظمة ( رد الجميل ) التي كان يستقطب من اجلها العفش المتهالك الذي ترميه الاسر في اركان الحوش او في المخزن ، فيشجعهم علي التبرع به ليصنع من ذلك الاثاث بواسطة الصبية المشردين اثاثا جديدا يمكن تسويقه ومساعدة هؤلاء الصبية والاطفال بريع بيعه لسد حاجاتهم وحاجات اسرهم الحياتية ، وقد نذر نفسه لهذه الخدمة.. كما كان ناشطا في تأسيس جمعية مرضي الفشل الكلوي للأطفال بطريقة لا تخطئها العين .
• ظل محجوب شريف يلبي دعوة الجاليات السودانية في الدول العربية والاوربية ، فيستغل الفعاليات ورحلات العلاج لجمع المزيد من الدعم لمنظمته الخيرية التي صنع بها المستحيل ـ فوضع بصمته القوية في خارطة العمل الطوعي لسنوات طويلة وبلا إعلام مصاحب اوجلب دعم رسمي من خزينة الدولة ، مكتفيا بمساهمات الخيرين داخل الوطن وخارجه .
• إننا حين افتقدنا الاستاذ محجوب شريف ورحل الي مثواه الاخير باحمد شرفي .. ندعو الله تعالي بان يقبله القبول الحسن ، ذلك انه هو الانسان البسيط الذي لم نره يسبب اذي في حياته كلها لأحد ، ولم نعرفه مترفعا ولا متعجرفا ولا متعاليا كشأن العديد من المثقفاتية الذين يملأون الدنيا ضجيجاً .
• وإننا إذ نحيي ذكراك يا محجوب يا شريف فإننا نظل نردد معك وبعدك :
• يا شعبا تسامي …. يا هذا الهمام
• تشق الدنيا ياما .. وتطلع من زحاما
• زي بدر التمام
• تدي النخلة طولا … والغابات طبولا
• والايام فصولا .. والبذرة الغمام
وأخيرا نقول … لن ننساك ابدأ يا شاعر الشعب يا صديقي ،،،،،،
**
القصيم. السعودية
٢ ابريل ٢٠١٤م
محجوب شريف…اسامة الطيب، الكتيابي، بشرى الفاضل،محمد حمزة،عائشة موسى، محمد المهدي ، ومريم محجوب شريف